الشيخ محمد هادي معرفة
156
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأمّا التنزيل فهو نزول تفاصيله تدريجيّا في تمام مدّة الرسالة . « 1 » لكن الحقيقة تبدو غير ذلك ، فقد حكى اللّه عن العرب قولتهم : « لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » ، « 2 » فجاء التعبير عن نزول جملة القرآن دفعة بالتنزيل . وأيضا قوله تعالى : « لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا » ، « 3 » والملك شخص وهو لا ينزل شيئا فشيئا مدرّجا . وقوله : « وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ » ، « 4 » والآية تنزل لفردها . وقوله : « وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ » ، « 5 » أي نزولها جملةً . وقوله : « وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ » « 6 » أي نزوله بجملته . ويرد على العلّامة فيما حسبه من اختصاص لفظة الإنزال بالبسائط ، قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » « 7 » والكتاب المنزل الذي فيه المحكم والمتشابه هو هذا القرآن الذي فيه تفصيل وتبيين . وقوله : « وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا » . « 8 » والنازل مفصّلًا هو هذا القرآن الذي نزل منجّما . وقد جمع بين التعبيرين بشأن هذا القرآن في آية واحدة : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . « 9 » وقد وهم الزمخشري هنا مرّتين ، أُولاهما : ما حسبه بشأن الإنجيل أنّه كتاب وما هو إلّا بشائر ألقاها على الحوارييّن . ولم يكن له كتاب بمعناه المصطلح . « 10 » وقوله : « آتانِيَ الْكِتابَ » « 11 » يعنى به الشريعة ذاتها وهو تعبير مصطلح شائع ، قال تعالى : « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
--> ( 1 ) - تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 14 . ( 2 ) - الفرقان 32 : 25 . ( 3 ) - الإسراء 95 : 17 ( 4 ) - الأنعام 37 : 6 . ( 5 ) - محمد 20 : 47 . ( 6 ) - الأنعام 7 : 6 . ( 7 ) - آلعمران 7 : 3 . ( 8 ) - الأنعام 114 : 6 . ( 9 ) - النحل 44 : 16 . ( 10 ) - راجع : التمهيد ، الجزء الثامن ، أين صار الإنجيل النازل على المسيح ؛ وقصص الأنبياء للنجار ، ص 399 . ( 11 ) - مريم 30 : 19 .